محكمة تونسية تسلط الضوء على معاناة المهاجرين: شهادات صادمة خلف قضايا اجتياز الحدود

في قاعة إحدى المحاكم التونسية، لم تكن الجلسة القضائية حول قضايا “اجتياز الحدود خلسة” سوى صفحة جديدة تضاف لسجل المعاناة الإنسانية التي يواجهها المهاجرون في تونس. كشف المحامي نافع العريبي، الذي تولى الدفاع في عدة ملفات مماثلة، أن خلف كل قضية أرقام وأسماء تمر على دفاتر العدالة تختبئ قصص من الألم والأمل والانكسار، تعكس واقعًا قاسيًا تعيشه جموع المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء.

يروي العريبي أنه خلال متابعته لما لا يقل عن عشر قضايا تتعلق بتهمة اجتياز الحدود بطرق غير شرعية، التقى بمهاجرين لم يكن يملكون خيارًا سوى الهروب من الفقر الشديد أو الحروب الأهلية أو التمييز العنصري في بلدانهم الأصلية. بعضهم يقضي شهورًا أو سنوات في تونس بحثًا عن فرصة حياة أو نقطة انطلاق نحو أوروبا، لكن أقدارهم غالبًا ما تجمعهم خلف القضبان أو في أروقة المحاكم بدل أن تعبر بهم نحو مستقبل أكثر أمانًا.

ويشير العريبي إلى أن المحاكمة في مثل هذه الملفات لا تقتصر على تطبيق القانون فحسب، بل تضع القاضي والمحامي أمام مسؤولية إنسانية معقدة، حيث تواجه النصوص الجامدة وقائع مؤلمة لنساء ورجال وأطفال دفعهم اليأس إلى ركوب المخاطر المحفوفة بالموت.

ويبرز حسب المحامي أن الكثير من المتهمين هم من الشباب، وحتى الأطفال والقصر، الذين يجدون أنفسهم وحدهم في مواجهة مصير مجهول بعد أن فقدوا غالبًا التواصل مع عائلاتهم أو أي سند اجتماعي. “أحد القضايا التي عملت عليها كان بطلها شاب في السابعة عشرة، ترك الدراسة وعائلته هربًا من النزاعات القبلية في بلده، ليجد نفسه متورطًا في ملف قضائي وحيد وحزين”، يقول العريبي.

ولا تقتصر المعاناة على الجانب القضائي، بل تمتد لتشمل ظروف الاحتجاز الصعبة وقلة الدعم القانوني أو النفسي، في ظل غياب حلول اجتماعية وسياسات واضحة تمنح هؤلاء المهاجرين أبسط حقوقهم. وقد طالب المحامون والمناصرون لحقوق الإنسان مرارًا بتغيير مقاربة الدولة لمعالجة أسباب الهجرة غير النظامية بدل الاقتصار على الردع والزجر.

وفي مشهد يصف الواقع المعقد، شدد العريبي على أن قاعدة “العدالة للجميع” يجب أن تكون فرصة لتصحيح المسارات، داعيًا لتمكين المهاجرين من الدفاع عن أنفسهم بكرامة وتفهم حقيقي لما عاشوه من مآسٍ، وأن تكون هذه القضايا نقطة بداية لتغيير فعلي في السياسات والمقاربات، حمايةً للإنسان بغض النظر عن جنسيته أو وضعه القانوني.

تبرز هذه الشهادات جزءًا صغيرًا من معاناة أكبر يعيشها المهاجرون في تونس، وتؤكد على الحاجة الملحة لإيجاد حلول إنسانية تتجاوز الورق وحبر القوانين، لصالح حماية كرامة وحقوق كل من وجد نفسه يومًا في طرق الهجرة الخطرة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *