من خطر على الصيد إلى فرصة ذهبية: السلطعون الأزرق يغيّر وجه الساحل التونسي
في أوائل التسعينيات، لم يكن ظهور السلطعون الأزرق أو ما يُعرف بسرطان البحر الأزرق على السواحل التونسية خبراً سعيداً للصيادين التقليديين. فقد اعتبر هذا الكائن الغازي بمثابة كارثة تهدد مصادر رزقهم، إذ كان يتغذى على الأسماك ويمزق الشباك، مما تسبب في خسائر مادية جسيمة وأثر على أرزاق آلاف العائلات التي تعتمد على الصيد.
تكاثر السلطعون الأزرق بسرعة هائلة في خليج قابس الذي يعتبر مصدراً رئيسياً للأسماك في تونس، وهو ما دفع الصيادين إلى الاحتجاج مطالبين السلطات بإيجاد حلول جذرية. وبالرغم من محاولات عديدة لإبادته، إلا أن أعداده بقيت في تزايد مستمر.
تحوّل مفاجئ
مع مرور السنوات، بدأت ملامح التحول تظهر، حيث اتجهت الأنظار إلى إمكانية الاستفادة الاقتصادية من وجود هذا السلطعون. وأطلقت السلطات مشاريع وشراكات، مدعومة من منظمات دولية مثل منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، لتدريب الصيادين وتحويل اصطياد السلطعون من كابوس إلى مصدر دخل.
أنشئت مصانع متخصصة لتجهيز السلطعون الأزرق في الجنوب التونسي، خاصة في مناطق مثل جرجيس، وبدأ طلبه يزداد في الأسواق الأجنبية، خصوصاً في آسيا. بفضل هذا التوجه، تطورت سلسلة إنتاج وتصدير السلطعون الأزرق، وظهرت شركات ناشئة حتى في صفوف النساء بالريف، الأمر الذي ساهم في توفير مواطن شغل جديدة وتحقيق عائدات مالية هامة للمنطقة.
كيف تغيرت العادات الغذائية؟
كانت الثقافة الغذائية التونسية غريبة عن استهلاك السلطعون الأزرق، لكن مع التوعية والاستثمار في هذا المجال، أضحى اليوم جزءاً من المائدة المحلية وارتفعت قيمته بالأسواق الخارجية. كما ساعد التنوع البيولوجي الناتج عن غزوه في تجدد بعض القطاعات المرتبطة بالصيد البحري.
هل هناك مخاوف مستقبلية؟
رغم الإيجابيات الجديدة، يطرح خبراء البيئة والاقتصاد عدة تساؤلات: ماذا لو انخفضت أعداد السلطعون الأزرق أو اختفى من البحار التونسية فجأة؟ فقد يصبح غيابه خسارة بعد أن صار يشكّل مورداً اقتصادياً.
من تجربة مريرة مع كائن غريب إلى قصة نجاح اقتصادية واجتماعية، يظل السلطعون الأزرق اليوم دليلاً حياً على قدرة التونسيين على التأقلم وتحويل التحديات إلى فرص جديدة ومستدامة.
