نزيف الكفاءات التونسية تجاه كندا يهدد الاقتصاد الوطني

تشهد تونس في السنوات الأخيرة موجة هجرة غير مسبوقة للكفاءات العلمية والمهنية نحو كندا، وتحديداً مقاطعة كيبك الناطقة بالفرنسية، حيث تستفيد السلطات الكندية من هذه الطاقات عبر برامج هجرة موجهة خصيصاً لجذب المتخصصين الناطقين بالفرنسية لتعويض النقص المسجل في مجالات الصحة والهندسة والتعليم وغيرها.

تشير الدراسات الإحصائية وتقارير الهجرة الحديثة إلى أن تونس تحتل مرتبة متقدمة عربياً في مجال هجرة الأدمغة بعد سوريا، حيث تزايدت أعداد المهاجرين من الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات بشكل ملحوظ منذ 2011. يُعزى هذا النزوح أساساً إلى تدني الأجور وغلاء المعيشة وتفاقم البطالة، فضلاً عن تراجع فرص البحث العلمي والتطوير في الداخل، ما يدفع أصحاب المؤهلات للبحث عن آفاق أفضل في الخارج.

وتُعد كندا، وبالخصوص مقاطعة كيبك، وجهة مفضلة لهذه الكفاءات بفضل سياسة الهجرة المنفتحة والإجراءات السريعة المُيسرة لجذب ذوي الاختصاصات النادرة، إذ تقدم عروضاً مغرية تشمل رواتب مرتفعة وفرص تطور مهني وحياة اجتماعية مستقرة ومميزة. ووفق التقارير، فإن نسبة كبيرة من الشباب التونسي حريصون على الاستفادة من هذه الفرص خاصة في ظل غياب الآفاق المستقبلية المحلية.

غير أن هذا النزيف البشري يحمل انعكاسات سلبية جسيمة على الاقتصاد والمجتمع التونسي. فالاستثمار الوطني في التعليم والتكوين يُهدر مع مغادرة أفضل العناصر البشرية، مما يضعف من قدرات الدولة التحليلية والابتكارية ويحد من تحسين الخدمات العمومية وفرص النمو الاقتصادي. ويحذر الخبراء من تفاقم هذا الاستنزاف وتأثيره البعيد على قطاعات الصحة والهندسة والتعليم وغيرها، في ظل تواصل هجرة آلاف الكفاءات سنوياً وغياب سياسات جذب واحتضان للمواهب الوطنية.

ويلفت اقتصاديون إلى ضرورة تبني استراتيجية وطنية عاجلة تضمن بيئة محفزة للبحث العلمي وريادة الأعمال، وترفع جاذبية سوق العمل المحلي عبر إصلاحات حقيقية للأجور وتحفيز الاستثمار في القطاعات المستقبلية. كما يدعو البعض إلى الاستفادة من شبكات التونسيين بالخارج لدعم الاقتصاد المحلي عبر تحويلاتهم المالية ونقل الخبرات، شرط أن ترافق ذلك سياسات جادة ومستدامة لمواجهة أسباب الهجرة من جذورها.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *