تونس بين ندرة مياه الحنفية وطفرة القوارير: صناعة المياه المعلبة في مرمى الأزمة والاحتكار

شهدت تونس خلال الأعوام الأخيرة تحوّلًا كبيرًا في عادات استهلاك المياه، حيث لم تعد قارورة الماء خيارًا ظرفيًا نتيجة انقطاع الحنفية، بل باتت سلعة أساسية في المنازل والمتاجر، وارتفع الطلب عليها بشكل لافت تزامنًا مع تكرار الأزمات المناخية وانقطاعات الكهرباء وتراجع الثقة بجودة الشبكة العمومية.

وفق مؤشرات رسمية، بلغ متوسط استهلاك الفرد التونسي من المياه المعلبة سنة 2024 حوالي 241 لترًا سنويًا، مقابل 225 لترًا في 2020، وارتفعت كمية المياه المعبأة المستهلكة في تونس لتصل إلى مليارات اللترات سنويًا، في وقت تحتل فيه البلاد مرتبة متقدمة عالميًا في استهلاك هذا النوع من المياه.

خلف هذا النمو السريع يكمن قلق متواصل لدى شريحة واسعة من السكان بشأن جودة مياه الحنفية، التي أشار تقرير وطني إلى أن ما يقرب من ثلثها يتجاوز معايير الملوحة المقبولة للشرب، في حين تزايدت نسب عدم مطابقة المواصفات الميكروبيولوجية خاصة في بعض المناطق الداخلية.

الأزمات المناخية وحرارة الصيف المرتفعة زادت الطين بلة، حيث رفعّت الطلب اليومي على العبوات المعلبة، الذي وصل في فترات الذروة إلى 10 ملايين لتر يوميًا. إلا أن هذا الطلب الهائل لا يقابله قدرة توزيع متوازنة، إذ تعاني بعض المناطق من ندرة وشح متكرر رغم أن وحدات التعليب الوطنية قادرة نظريًا على إنتاج أكثر من نصف مليون قارورة في الساعة.

ووسط هذه الأزمة، برزت مشكلة الاحتكار والمضاربة، إذ أبلغ مواطنون عن ارتفاع الأسعار وتخزين المنتجات بغرض البيع في السوق السوداء، ما دفع الحكومة لتشديد الرقابة وضبط التسعيرات، بالإضافة لمصادرة مئات الآلاف من اللترات خلال موسم الذروة.

أما على مستوى الإنفاق الأسري، فقد أصبحت ميزانية المياه المعلبة تمثل عبئًا واضحًا، إذ تشير التقديرات إلى أن عائلة من خمسة أفراد قد تنفق حوالي 15% من دخلها الشهري فقط لتلبية حاجياتها من هذه المادة الأساسية.

هذا الواقع وضع الصناعة الوطنية للمياه المعلبة بين مطرقة الأزمات البيئية وسندان الانتقادات الاجتماعية، بينما يستمر الجدل: هل هو فشل في المنظومة العمومية أم نجاح لقطاع خاص يستثمر في قلق الناس وحاجتهم؟ وما الذي يتوجب فعله لحماية الأمن المائي للتونسيين؟

في ضوء كل هذا، تبدو حاجة تونس ملحة لإعادة الاعتبار لقطاع المياه العمومية وتعزيز جودة الشبكة، مع فرض رقابة أكثر نجاعة على عمليات الإنتاج والتوزيع وضمان عدالة التزويد، حتى لا يظل شراء قارورة ماء رفاهية يحلم بها بعض السكان.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *