تبدلات جديدة في علاقة الاتحاد الأوروبي بدول المغرب العربي: أولوية الهجرة تفوق الإصلاحات السياسية
في تغيّر لافت في سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه دول المغرب العربي، بدأت القارة العجوز تركّز بشكل أقوى على قضايا الاستقرار وضبط الهجرة غير النظامية وأمن الطاقة، وذلك على حساب أولويات سابقة مثل دعم التحول الديمقراطي وتعزيز حقوق الإنسان. جاءت هذه الخلاصة ضمن دراسة أكاديمية أعدتها أستاذة القانون جنان ليمام لصالح مركز “تريندز” للأبحاث، حيث رصدت فيها كيف أعادت أوروبا النظر في نهجها إزاء تونس ودول الجوار المغاربي في السنوات الأخيرة.
وجاء في الدراسة أن الاتحاد الأوروبي، الذي كان في العقدين الماضيين يربط بشكل وثيق بين التعاون مع بلدان جنوب المتوسط وبين تقدمها في مجالات الحوكمة والديمقراطية، بات الآن يعتمد مقاربة أكثر واقعية وبراغماتية ترتكز أولاً على استقرار المنطقة واحتواء موجات الهجرة. وتلقى هذه السياسة دعماً سياسياً واسعاً في بعض الدول الأوروبية، خاصة مع تصاعد القلق من ارتفاع أعداد المهاجرين عبر المتوسط وما يصاحب ذلك من تداعيات أمنية واقتصادية.
تركز التعاون الأوروبي-المغاربي، خصوصاً مع تونس، مؤخراً حول تعزيز قدرات الدول في مراقبة حدودها البحرية والبرية لوقف تدفق المهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا. وتصاعدت أرقام الدعم المالي والفني الأوروبي لدول المنطقة في هذا المجال، في مقابل تراجع ملحوظ في الخطاب المتعلق بضرورة التسريع بالإصلاحات الديمقراطية أو محاربة الفساد السياسي، بحسب ما أشارت إليه جملة من التقارير الأوروبية والعربية.
وترى جنان ليمام، من خلال دراستها، أن دوافع أوروبا لهذا التغيير متأثرة بالتحولات الداخلية الأوروبية، مثل صعود تيارات سياسية تمنح الأولوية للأمن القومي وقضايا الهجرة، إضافة إلى الأزمات الطاقية المتعاقبة والحروب الإقليمية التي جعلت من أمن الطاقة واستقرار الجنوب ضرورة ملحة للاتحاد الأوروبي.
وقد وجّه هذا التحول انتقادات من قبل منظمات مجتمع مدني ونشطاء حقوقيين في دول المغرب العربي معتبرين أن الإغفال الأوروبي لموضوع الديمقراطية مؤقت وسيعيد طرح نفسه في المستقبل، خاصة مع استمرار عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في بعض بلدان المنطقة. بالمقابل، يرى مراقبون أن واقعية المقاربة الأوروبية الجديدة تأتي استجابة للمصالح الآنية للطرفين حتى وإن كانت على حساب القيم الليبرالية التي لطالما روجت لها أوروبا.
ويخلص محللون إلى أن العلاقة بين الاتحاد الأوروبي ودول المغرب العربي باتت مرهونة اليوم أكثر من أي وقت مضى بقضايا الأمن والهجرة والطاقة، في ظل عالم متغيّر، ما يستدعي من دول المنطقة تطوير أدواتها الخاصة في التفاوض والاستفادة القصوى من الأولويات الأوروبية الراهنة.
