تونس بين شح مياه الحنفية واضطرابات السوق: قوارير المياه إلى واجهة الضرورة اليومية

لم يعد الاعتماد على قوارير المياه المعلبة في تونس مسألة ظرفية أو خياراً ثانوياً تلجأ إليه الأسر خلال أوقات تعطل شبكة مياه الشرب، بل تحولت هذه المادة إلى ضرورة راسخة في حياة ملايين التونسيين. فقد أضحى السوق التونسي للمياه المعبأة من بين الأكبر في العالم، مع بلوغ استهلاك الفرد حوالي 241 لترًا سنويًا سنة 2024، وسط غياب الثقة المتزايد في جودة مياه الحنفية وانتشار المخاوف المرتبطة بالملوحة وتدهور البنية التحتية.

تشير الإحصائيات الرسمية إلى استهلاك نحو 3 مليارات لتر من المياه المعلبة سنويًا، وهو رقم ضخم يكشف حجم التحوّل الاجتماعي والاقتصادي في عادات المواطنين. تأتي هذه القفزة نتيجة تضافر عدة عوامل، أبرزها الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، وتراجع مناسيب السدود والموارد الجوفية، بالإضافة إلى اضطرابات توزيع مياه الشبكة العمومية، ما دفع الكثيرين للاعتماد على قوارير المياه حتى في المناطق التي كانت تعتمد على الحنفية سابقًا.

هذه الطفرة في الطلب ترافقت مع صعوباتٍ في تزويد الأسواق وتكرار مشاهد الطوابير ونقص المنتجات، حيث سجلت بعض الفترات خلال الصيف ارتفاعاً بنحو 30% في الطلب، وفق الغرفة النقابية الوطنية لمنتجي المشروبات غير الكحولية. وفي ظل هذا الضغط، بات المنتجون عاجزين أحياناً عن مواكبة حجم السوق، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار بأكثر من 150% في بعض مناطق البلاد.

ويشير مختصون في قطاع المياه إلى أن استهلاك قوارير المياه أصبح يمثل عبئاً مستمراً على ميزانية الأسر التونسية، إذ تستهلك العائلات مبالغ كبيرة بصفة شهرية. في الوقت ذاته، صاحب هذا الانفجار في الاستهلاك تحديات بيئية أخرى، أهمها تراكم نفايات البلاستيك الناتجة عن ملايين القوارير المستعملة.

ورغم أن تونس تمتلك شبكة مياه عمومية كانت على مدى عقود مورد الشرب الأول، إلا أن خللاً في التوزيع وتفاوتاً في الجودة وانتشار بعض الرواسب دفعت المواطن للاختيار بين هامش الثقة وسرعة الاضطرابات. وبينما لا يتعدى استهلاك المياه المعدنية في بعض الدول المجاورة والعالمية حاجز الأربعين لترًا سنوياً للفرد، يحتل التونسيون اليوم المرتبة الرابعة عالمياً في استهلاك المياه المعبأة، ما يعكس هشاشة الوضع المائي ويثير تساؤلات حول مستقبل المياه في البلاد.

ختاماً، يبقى التحدي الأكبر أمام السلطات هو إعادة ثقة المواطن في جودة مياه الشبكة العمومية، وتحديث البنية التحتية المسؤولة عن نقل المياه، في حين يواصل المهنيون البحث عن التوازن بين تلبية متطلبات السوق وضمان استدامة الموارد والمحافظة على البيئة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *