إصدار جديد يكشف جذور التمييز الاجتماعي والعنصري في جنوب تونس
في أعقاب ثورة الياسمين عام 2011، شهدت تونس انفتاحاً غير مسبوق على قضايا الهوية والتمييز، حيث خُصصت مساحة أوسع لنقاش قضايا العرق والطبقية التي لطالما ظلت طي الكتمان. من رحم هذا الجو المتجدد، برز مؤخراً كتاب جديد للباحثة الأنثروبولوجية الإيطالية مارتا سكاليوني تحت عنوان “ما وراء البشرة”، والذي يسلّط الضوء على واقع التمييز العرقي والطبقي في مجتمعات الجنوب التونسي.
يقدم الكتاب دراسة عميقة للروابط التاريخية والاجتماعية التي كرست الفوارق بين المجموعات السكانية، خاصة بين أفراد ذوي البشرة السوداء وغيرهم في عدد من المناطق الجنوبية مثل مدنين وتطاوين وقابس وتوزر وقبلي. وتتناول الكاتبة بالدراسة كيف تجذّرت هذه التراتبية عبر عقود طويلة، حيث ساهمت الظروف السياسية والمخيلة الشعبية في ترسيخ الصور النمطية وإعادة إنتاجها جيلاً بعد جيل.
تستعرض سكاليوني في مؤلفها كيف حافظت الموروثات الشعبية على تسميات وألقاب تحمل دلالات عنصرية، مثل “عتيق” أو “شوشان” أو “عبيد”، مسلطة الضوء على أن لهذه التوصيفات جذوراً ممتدة في التاريخ الاجتماعي للمنطقة، لا سيما مع استمرار الفقر والتهميش في المحافظات الجنوبية مقارنة بالشمال، الأمر الذي ساهم في تشكيل بنية مجتمع تُميز بين أفراده على أسس لونية وطبقية.
الكتاب يتتبع أيضاً التحولات التي شهدها الجنوب التونسي بعد الثورة والتي أسهمت في رفع الغطاء عن مثل هذه الممارسات، حيث أصبح من الممكن اليوم نقاش قضايا التمييز العرقي بشكل صريح في الأوساط الأكاديمية والثقافية بعد أن كانت من المحرمات الاجتماعية.
وتبرز سكاليوني الدور الفريد الذي لعبته القوانين التقدمية، مثل قانون مناهضة التمييز العنصري الصادر عام 2018، في كسر جدار الصمت حول معاناة أصحاب البشرة السوداء ودفع المجتمع لمراجعة ماضيه. ورغم التحسن الملحوظ على مستوى التشريع، إلا أن الباحثة تشدد على أن الواقع الميداني ما زال يحتاج للكثير من الجهد لمحاربة الفكر النمطي وتغيير العقليات السائدة التي تستبطن التمييز في تفاصيل الحياة اليومية.
بأسلوب علمي وتحليل دقيق، يقترب “ما وراء البشرة” من إشكاليات شائكة ترتبط بالهوية والمساواة، ويسعى لتفكيك جذور الإقصاء الاجتماعي التي عانى منها جزء مهم من المجتمع التونسي. ويعد هذا الإصدار إضافة نوعية للنقاش العمومي حول قضايا العدالة الاجتماعية في تونس الجديدة.
