نزيف الكفاءات التونسية: عندما تزرع تونس بذرة العلم وتحصد أوروبا ثمار الابتكار
تواجه تونس، كما العديد من الدول العربية الأخرى، ظاهرة متفاقمة تتعلق بهجرة العقول العلمية، ما يُعرف بـ”نزيف الأدمغة”. هذه الظاهرة لم تعد مجرد قصص فردية عن باحث يغادر بلاده للبحث عن آفاق أفضل، بل أصبحت معضلة قومية لها انعكاسات مباشرة على التنمية والاقتصاد، إذ تحوّل الدول المضيّفة معارف المهاجرين إلى ثروات تكنولوجية وصناعية ملموسة.
في هذا السياق، تشير الإحصاءات إلى أن تونس تحتل المرتبة الثانية عربيًا في هجرة الأدمغة بعد سوريا. فقد غادر البلاد في السنوات الأخيرة أكثر من 94 ألف كفاءة، أي ما يعادل حوالي 9% من التونسيين المهاجرين. وتستقبل أوروبا الغالبية الساحقة من هذه الكفاءات، إذ تستحوذ فرنسا بمفردها على نسبة 52.5% من المهاجرين التونسيين، تليها إيطاليا وألمانيا.
تستثمر تونس سنويًا مبالغ ضخمة في تطوير منظومتها التعليمية وفي تكوين طلابها في جميع التخصصات، خاصة في القطاعات العلمية والتقنية. غير أن معضلة القطاع تكمن في ضعف القدرة على تحويل هذه المعرفة إلى منتجات وخدمات تكنولوجية داخل البلاد. فالهيئات البحثية، رغم محدودية الدعم، تخرج سنويًا آلاف المهندسين والأطباء والباحثين المتفوقين، لكن بيئة العمل المحلية وقلة فرص التطوير المهني تدفع بالأغلبية نحو الهجرة.
وتستفيد مستشفيات ومخابر ومؤسسات أوروبية من جهود وخبرات هؤلاء المتخصصين التونسيين الذين ساهم تكوينهم المحلي في رفع جودة البحث والتطوير هناك. ونتيجة لهذا الواقع، تتحول ثمار الاستثمار الحكومي في التعليم إلى أرباح وابتكارات في الخارج، بدل أن تسهم في دفع عجلة التنمية الوطنية.
ورغم أن هناك من يرى أن الجاليات التونسية المهاجرة تقدم تحويلات مالية مهمة للاقتصاد المحلي، إلا أن المختصين يؤكدون أن القيمة الأكبر تبقى في استثمار العقول محلياً وتحويل الجامعات ومراكز البحوث إلى قاطرة تكنولوجية واقتصادية للبلاد. وتدفع هذه الظاهرة المؤسسات الحكومية والخاصة إلى ضرورة مراجعة سياساتها، عبر تطوير التشريعات، وتحسين بيئة الأعمال، وتقديم الحوافز حتى يجد الباحثون والعلماء عناصر البقاء والنجاح داخل وطنهم.
في الختام، تبرز قضية هجرة العقول كإحدى أخطر التحديات أمام تونس والمنطقة، وتتطلب معالجة جذرية وشجاعة لضمان ألا تظل البلاد مجرد محطة تكوين للكفاءات، بينما تحصد دول أخرى ثمرة هذا الجهد العلمي الكبير.
