تونس في مواجهة معضلة شبكات المياه: نزيف الموارد تحت الأرض يهدد المستقبل

وسط تفاقم التغيرات المناخية وتزايد سنوات الجفاف التي شهدتها تونس في العقد الأخير، تتصدر معضلة المياه جدول الأولويات الوطنية لعام 2026. رغم بعض التحسن الطفيف المسجل في مخزون السدود، يواصل التونسيون العيش تحت تهديد ندرة المورد الحيوي، في ظل بنية تحتية مائية تعاني من التقادم والهشاشة.

تشير الإحصاءات الحديثة إلى أن ما يقارب 30% وحتى 40% من المياه المُضخة عبر الشبكات القديمة يضيع بسبب تسربات لم تخضع للصيانة أو الإصلاح منذ سنوات، ممّا يجعل الفاقد المائي عاملًا رئيسيًا في تعميق حدة الأزمة. وتؤثر هذه الخسائر مباشرة على كمية المياه المتاحة للمواطنين والمزارعين، مع تسجيل تراجع حاد في نصيب الفرد من المياه إلى مستويات تقارب حد الفقر المائي العالمي.

ولا تعود ندرة المياه في تونس فقط إلى عوامل المناخ وقلة الأمطار، بل تحوّلت الأزمة إلى معضلة هيكلية مرتبطة بالسياسات المائية والاستثمار في الشبكات. فتراجع الاستثمارات في البنية الأساسية وضعف الصيانة الدورية أكسب المياه المفقودة صفة “الهدر الصامت”، إذ تذهب كميات هائلة من المياه تحت الأرض، دون أن يلمسها المواطن التونسي ظاهريًا، لكن يكتشف أثرها من ارتفاع الأسعار وصعوبة الحصول على المياه الصالحة للشرب في العديد من المناطق.

قطاع الزراعة هو الآخر تضرر بقوة؛ فحوالي 74% من مياه البلاد تستهلكه الحقول، مما يقلّص من الكميات المتوفرة للأغراض المنزلية والصناعية، خاصة مع استمرار اعتماد تقنيات ري قديمة غير فعالة وغياب حلول حديثة لترشيد الاستهلاك.

لقد أظهرت أزمة صيف 2026 أن الحلول المؤقتة مثل الترفيع في كميات المياه المعبأة أو تنظيم حملات توعية موسمية ليست كافية. الخبراء يؤكدون اليوم على ضرورة الإسراع في إصلاح شبكات التوزيع وتركيز مزيد من الاستثمارات في التقنيات الذكية لرصد ومعالجة التسربات، إلى جانب مراجعة سياسات توزيع المياه وضبط الاستهلاك الزراعي والصناعي.

في ظل هذا السياق، تبدو أزمة المياه في تونس أبعد ما تكون مشكلة ظرفية، بل هي تحدٍّ بنيوي يستدعي تغييًرا عميقًا في الإدارة وتحديث للبنية التحتية، حتى لا تتحول كل قطرة مهدورة إلى عبء ثقيل على حياة الأجيال القادمة واقتصاد البلاد.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *