ظاهرة التغيب عن العمل في القطاع العمومي: تحديات تهدد الأداء والتنافسية
شهدت تونس في الآونة الأخيرة نقاشًا متصاعدًا حول ظاهرة التغيب عن العمل في القطاع العمومي، بعد تحذيرات جدية أطلقها رئيس الجمعية التونسية لمتفقدي الشغل، حاتم هلال، خلال ملتقى علمي نُظم مؤخرًا حول هذا الملف، حيث أكد أن الغياب المتكرر عن الوظيفة العمومية لم يعد مجرد حالات فردية بل أصبح مشكلة هيكلية تؤثر سلبيًا على إنتاجية المؤسسات وعلى قدرتها على تحقيق المنافسة.
وأفادت المعطيات التي قدمتها الجمعية أن نسبة التغيب عن العمل في المؤسسات العمومية تتراوح بين 10% و15%، وهو رقم يثير القلق بشكل كبير، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد. وأشار هلال إلى أن هذه الظاهرة تمتد لتشمل جميع القطاعات والإدارات تقريبًا، مما يؤدي إلى تعطل سير العمل وتأثير مباشر على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وأوضح المتابعون والمهتمون بهذا الشأن أن الأسباب وراء تفاقم ظاهرة التغيب متعددة، من بينها غياب الرقابة الصارمة، وثغرات في القوانين المنظمة، بالإضافة إلى التهاون أحيانًا في تطبيق الإجراءات التأديبية الرادعة. كما نبه هلال إلى ضرورة إعادة النظر وتحيين التشريعات الحالية لتتواكب مع تطور الاحتياجات وتوفر آليات أفضل لمراقبة وضبط حضور الموظفين في أماكن عملهم.
ويؤكد خبراء التنمية الإدارية أن التغيب المزمن أدى إلى تراجع ملحوظ في مردودية المؤسسات وفقدان ثقة المواطنين في المرفق العمومي، كما أثّر على الأداء العام للاقتصاد الوطني. وقد أصبح هذا الملف يشكل أولوية كبرى لدى الهياكل المعنية، التي بدأت فعلاً في دراسة حلول شاملة تتعلق أساسًا بتفعيل الرقابة، وتطوير منظومة التصرف في الموارد البشرية، وتثمين ثقافة العمل والانضباط بين الموظفين.
هذا، وأعرب المشاركون في هذا الملتقى عن أملهم في أن تضع السلطات الخطوات العملية لمعالجة هذا التحدي، وذلك عبر إدماج المنظمات المهنية ومكونات المجتمع المدني في رسم سياسات جديدة تعيد الاعتبار للوظيفة العمومية وتعمل على تحسين مناخ العمل والرفع من مردودية المؤسسات. ويجمع المراقبون أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تحركًا جماعيًا وإرادة سياسية حقيقية لوضع حد للهدر البشري وضمان استمرارية الخدمات العامة بجودة عالية، في مشهد يحتاج بوضوح إلى حلول مبتكرة ومستدامة.
