البنك المركزي بين دَور الإنقاذ ومخاطر التضخم: قراءة جديدة لسياسة تمويل الاقتصاد

عادت قضية تمويل الاقتصاد من قبل البنك المركزي لتتصدر النقاشات في الأوساط الاقتصادية والسياسية، وذلك في ظل الجدل المتجدد حول الطبيعة المعقدة لهذه السياسات وأثرها على استقرار الاقتصاد الوطني.

في العادة، يرتبط مفهوم قيام البنك المركزي بتمويل عجز المالية العامة بفكرة “طباعة النقود”، وهي خطوة مثيرة للجدل بسبب تداعياتها التقليدية من ناحية زيادة السيولة بشكل مفاجئ في الاقتصاد، ما قد يؤدي إلى تصاعد التضخم وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

ومع ذلك، يشير الدكتور عبد الباسط السماري، الخبير في الشأن المالي، إلى أن اختزال الموضوع في ثنائية الطباعة والتضخم يعتبر مقاربة مبسطة للغاية. ويصر على أن المسألة الأهم ليست مجرد مصدر الأموال، وإنما كيفية توظيفها والقطاعات التي ستوجه إليها الموارد الجديدة. ويقول السماري: “التحدي الحقيقي يكمن في ضمان أن هذه السيولة تُستثمر في دعم الإنتاج وتوفير فرص العمل وتنشيط النمو، بدلاً من أن تتحول إلى وقود لارتفاع الأسعار”.

يضيف السماري أن تجارب دول عديدة أظهرت أن التمويل المباشر من البنك المركزي قد يحمل مخاطر حقيقية إذا غابت رقابة صارمة واستراتيجيات واضحة للتنفيذ، لكنه أيضاً قد يصبح أداة فعالة لدعم الاقتصاد في لحظات الصعوبات المالية، خاصة عندما تكون الحاجة ملّحة لتجنب سيناريوهات الركود والبطالة الواسعة.

من جهتهم، يعتبر بعض المحللين الاقتصاديين أن إشراك البنك المركزي في الإنقاذ يجب أن يكون مصحوبًا بإصلاحات هيكلية شفافة تضمن عدم الإفراط في خلق النقود أو استخدامها لأغراض استهلاكية قصيرة المدى فقط، بل توجيهها نحو مشاريع تنموية واستثمارية طويلة الأجل.

ورغم المخاوف التقليدية من تضخم غير منضبط، يرى خبراء أن الدور الجديد للبنك المركزي يجب أن يقوم على التوازن بين تحقيق الاستقرار النقدي وبين دعم خطط النمو. فالنموذج الأمثل هو الذي يجعل من تدخل البنك المركزي فرصة لتحفيز الاقتصاد، وليس مجرد آلية لسد العجز أو ترحيله إلى الأجيال المقبلة.

كل ذلك يبرز أهمية النقاش الدائر حاليًا حول السياسات النقدية والمالية في تونس وفي العديد من دول المنطقة، وتأكيد ضرورة تبني رؤى مبتكرة تواكب التغيرات العالمية وتوازن بين الحاجات التنموية ومتطلبات الحفاظ على قيمة العملة الوطنية.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *