استغلال العمالة التونسية في الزراعة الإيطالية: بين الجريمة المنظمة والأرباح الضخمة
يواجه عمال المزارع المهاجرون في إيطاليا، ومن بينهم الكثير من التونسيين، تحديات تتجاوز مجرد تدني الأجور وصعوبة ظروف العمل. فقد كشفت تقارير دولية حديثة، من بينها تقرير صادر عن المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، عن هيمنة شبكات الجريمة المنظمة على قطاع الزراعة في البلاد. وتعمل هذه الشبكات في إدماج أنشطتها بين التوظيف، والنقل، والسكن، وسلاسل الإمداد الغذائي، بهدف تعظيم أرباحها التي قدرت بنحو 25 مليار يورو سنويًا.
ويعتبر العمال التونسيون من أكثر الجنسيات تواجداً في المزارع الإيطالية، حيث يعملون تحت إشراف وسطاء وأرباب عمل قد يستغلون حاجتهم للوظائف، ما يجعلهم عرضة للابتزاز وسوء المعاملة. لا يقتصر الاستغلال على تدني الرواتب فحسب، بل يمتد إلى ظروف الإقامة السيئة والنقل غير الآمن، وأحياناً التهديد والابتزاز من قبل عصابات منظمة تتحكم في سلاسل العمل.
ظاهرة «المافيا الزراعية» لا تهدد فقط حقوق المهاجرين وإنما تؤثر كذلك على جودة المنتجات التي تحمل علامة “صنع في إيطاليا” الشهيرة، حيث يتداخل مسار الغذاء من المزارع وصولاً إلى المستهلك النهائي، في منظومة يتحكم فيها المال والنفوذ غير المشروع.
قضية العمالة التونسية في إيطاليا تعيد طرح تساؤلات حول مدى جدية السلطات في حماية حقوق المهاجرين وتحسين ظروفهم. وفي ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية في تونس، يواصل آلاف الشبان البحث عن فرصهم بين حقول الزيتون والفاكهة في جنوب أوروبا، على أمل تحصيل دخل يوفر لهم ولعائلاتهم حياة كريمة، فيجدون أنفسهم رهائن منظومة معقدة من الاستغلال قد تعرضهم لأخطار جسدية ونفسية.
وقد شهدت الأعوام الماضية تكرار حوادث مأساوية داخل الحقول أو أثناء التنقل إلى أماكن العمل، وصلت في بعض الأحيان إلى الاعتداءات الجسيمة أو حتى الوفاة جراء ظروف عمل خطيرة. ومع كل ذلك، يبقى صوت الضحايا خافتاً في مواجهة نفوذ المافيا والبحث عن الأرباح بأي ثمن.
يدفع العمال التونسيون ثمن المنتجات الإيطالية التي تصل إلى موائد العالم، وسط دعوات متجددة لمنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان بضرورة تضييق الخناق على شبكات الجريمة المنظمة وتعزيز الرقابة وتحسين أوضاع العمال المهاجرين لتحقيق العدالة وحماية الكرامة الإنسانية.
