تونس تواجه تراجعاً غير مسبوق في اكتشافات النفط والغاز وسط تصاعد الحاجة للطاقة

تشهد تونس في السنوات الأخيرة أزمة متفاقمة في قطاع المحروقات؛ فعلى الرغم من الطلب المتزايد على الطاقة المحلية لتلبية احتياجات إنتاج الكهرباء والحد من عجز الميزان الطاقي، إلا أن المؤشرات الرسمية تؤكد استمرار تراجع نشاط الاستكشاف والإنتاج النفطي والغازي. ومع نهاية شهر جوان 2026، يتجلى هذا التراجع بشكل واضح في انخفاض عدد الرخص الممنوحة للبحث والاستكشاف، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحدٍ كبير في ظل ارتفاع الاعتماد على الاستيراد لتغطية الفجوة المتسعة بين الإنتاج والاستهلاك.

أرقام مقلقة وتحديات متشابكة
تشير بيانات المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية إلى أن إنتاج البلاد من النفط الخام انخفض بنسبة 13% خلال العام الماضي، في حين شهد إنتاج الغاز الطبيعي تراجعًا بأكثر من 10%. ومع بداية 2026، قُدّر الإنتاج النفطي بحوالي 35 إلى 40 ألف برميل يوميًا فقط، في حين تحتاج السوق المحلية إلى قرابة 90 إلى 95 ألف برميل يوميًا لتلبية الاستهلاك الداخلي، مما يعني أن الإنتاج الوطني يغطي اليوم نحو 35% فقط من الطلب.

هذا التفاوت الكبير بين حجم الإنتاج والاستهلاك المحلي يجعل تونس مضطرة لاستيراد أكثر من 60% من احتياجاتها من النفط والغاز، وهو ما يمثّل عبئًا ماليًّا متزايدًا على ميزانية الدولة ويعمّق العجز التجاري.

الاستكشاف والاستثمار: تراجع الثقة
يرجع عدد من الخبراء في قطاع الطاقة أسباب هذا التراجع إلى عوامل متعددة، من بينها تقلص الاستثمارات المحلية والأجنبية في مجال الاستكشاف والإنتاج نتيجة غياب الاستقرار التشريعي ونقص الحوافز المالية، بالإضافة إلى التأخير في إصدار الرخص الجديدة وتعقد الإجراءات الإدارية.

وتشير التقارير إلى أن عدد رخص الاستكشاف النشطة في تونس لا يتجاوز 16 رخصة في منتصف 2026، مقارنة بفترات ذهبية عرفها القطاع خلال العقدين الماضيين، ويتوقع أن يستمر هذا الانكماش ما لم تتخذ خطوات سريعة لتحفيز المناخ الاستثماري وتبسيط الإجراءات المرتبطة بقطاع الطاقة.

ضغط متزايد على ميزان الطاقة
ارتفاع معدل الاستيراد لتأمين الاحتياجات الأساسية للطاقة يمثل خطرًا حقيقيًا على الاستقرار الاقتصادي في البلاد، حيث ترتفع كلفة الدعم الحكومي للطاقة وتزداد الضغوط على العملات الأجنبية المطلوبة لشراء المحروقات من الخارج، إضافة إلى ما يطرحه هذا الوضع من تهديدات على أمن الطاقة الوطني.

في ظل هذه التحديات، يؤكد خبراء الطاقة والاقتصاد على ضرورة الإسراع في مراجعة السياسات الخاصة بمجال المحروقات، خاصة ما يتعلق بتشجيع الاستكشاف والاستثمار، إلى جانب تطوير مشاريع الطاقات المتجددة، لتقليص الاعتماد على الخارج وتعزيز أمن الطاقة الوطني.

هكذا تبدو أزمة قطاع النفط والغاز في تونس مرشحة لمزيد من التصعيد في حال عدم معالجة الملفات التشريعية والمالية والإجرائية المرتبطة به، إذ يبقى تحقيق التوازن بين الاستهلاك والإنتاج المحليين رهينة قرار سياسي واستثماري شجاع في المستقبل القريب.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *