تراجع إنتاج النفط في تونس: تحولات كبرى وتحديات متزايدة

لم تعد تونس تُحسب من الدول النفطية كما كان الحال في عقود سابقة، حيث يشهد إنتاج البلاد من النفط تراجعًا حادًا خلال السنوات الأخيرة. فقد انخفض معدل الإنتاج اليومي من نحو 80 ألف برميل في أوج نشاط القطاع إلى قرابة 25 ألف برميل فقط يوميًا في الوقت الحالي، بحسب أحدث المؤشرات المنشورة إلى نهاية صيف 2026.

يعود هذا التراجع إلى عدة أسباب هيكلية ومتراكمة، أبرزها دخول معظم الحقول التونسية مرحلة الشيخوخة، ما أدى إلى انخفاض محسوس في العائدات بسبب تراجع الضغط وقِدم المعدات وانتظام الحاجة لأعمال الصيانة. تأتي حقول مثل عشتاروت والبورمة في مقدمة الحقول التي شهدت هبوطًا حادًا في إنتاجها، حيث تراجع إنتاج حقل المعمورة بنسبة تجاوزت 80% خلال السنوات الأخيرة، بينما انخفض إنتاج حقل عشتاروت بما يقارب 24%.

علاوة على تلك الأسباب الفنية، يواجه القطاع تحديات كبيرة في استقطاب الاستثمار الأجنبي وعمليات الاستكشاف الجديدة، ما تسبب في غياب مشاريع تنموية قادرة على تعويض النقص الحاصل من الحقول القديمة. كما تأثرت البلاد بتذبذب الأسعار العالمية للنفط، بجانب تداعيات الأزمات العالمية مثل جائحة كوفيد-19 والحرب بين روسيا وأوكرانيا.

وبحسب بيانات المرصد الوطني للطاقة والمناجم، تراجعت نسبة تغطية الإنتاج الوطني للطلب المحلي على الطاقة إلى 41% فقط مع نهاية 2024، مقارنة بنحو 49% في نفس الفترة من السنة السابقة. كما ارتفع العجز الطاقي في البلاد ليصل إلى حوالي 4.1 مليون طن من النفط المكافئ حتى نهاية سبتمبر 2024.

في المقابل، سُجل ارتفاع طفيف في استهلاك المنتجات النفطية في تونس خلال الفترة ذاتها، إذ ازداد الطلب على البنزين بنحو 7%، والديزل (الغازوال) بنسبة 3%، والكيروسين بنسبة مماثلة، وهو ما عمق من أزمة التوازن الطاقي وأجبر الحكومة على تكثيف واردات الطاقة لتلبية الاحتياجات المحلية.

تبدو ملامح المستقبل النفطي في تونس معقدة، إذ سيبقى القطاع يواجه تحديات كبرى مرتبطة بالتراجع الطبيعي في الإنتاج وصعوبة استكشاف احتياطات جديدة. وتبرز الحاجة إلى اعتماد استراتيجيات بديلة بقوة، مثل دعم الانتقال الطاقي نحو مصادر الطاقة المتجددة وتقليص الاعتماد على النفط المستورد، في ظل تصاعد الضغط على ميزانية الدولة وتنامي متطلبات التنمية.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *