تونس بين تراجع ثقة المواطنين في الماء العمومي وتضخم سوق المياه المعلبة
تشهد تونس في السنوات الأخيرة تحولاً كبيراً في عادات استهلاك مياه الشرب. فالماء المعلب لم يعد مجرد بديل ظرفي عند انقطاع الحنفيات، بل صار خياراً أولوياً لملايين المواطنين نتيجة تراجع الثقة في مياه الشبكة العمومية. هذا التحول يعكس أزمة أعمق في التزود بالماء الصالح للشرب، مع تأثر البنية التحتية القديمة وتكرار انقطاعات الماء في عدد من المناطق.
وحسب معطيات الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه، يبلغ معدل استهلاك الفرد التونسي من المياه المعلبة حوالي 241 لتر سنوياً. وأظهرت إحصائيات القطاع ان استهلاك البلاد من المياه المعبأة تجاوز 3 مليارات لتر في سنة واحدة، ما جعل السوق التونسية واحدة من أكبر الأسواق في المنطقة.
الأزمة الأخيرة في تزويد الأسواق المحلية بقوارير الماء المعلب أظهرت حجم التعلق بهذا المنتج، حيث سُجلت طوابير طويلة أمام نقاط التوزيع وارتفعت الأسعار بنسبة تجاوزت 100% في بعض الفترات. وفسرت الغرفة النقابية لمنتجي المشروبات غير الكحولية هذا النقص بزيادة غير مسبوقة في الطلب خاصة خلال موجات الحرارة القياسية التي عرفتها البلاد، إضافة إلى انقطاعات الكهرباء التي عطلت نشاط وحدات الإنتاج لساعات أو حتى أيام. هذان العاملان تسببا في استنزاف المخزون الاحتياطي سريعا.
من جانب آخر، لا يمثل قطاع تعليب المياه سوى أقل من 0.2% من الموارد المائية الوطنية، لكن تأثيره التجاري والاجتماعي ضخم جداً، إذ تضاعفت وحدات التعبئة وتوسعت شبكات التوزيع مع توجه المستهلك التونسي نحو “الماء الآمن” كخيار رئيسي، سواء بسبب مخاوف تتعلق بالجودة أو التخوف من الأمراض المرتبطة بالتلوث.
رغم الحملات المتكررة من السلطات للتأكيد على مراقبة جودة ماء الحنفية، إلا أن الاستهلاك الجماعي للمياه المعلبة يعكس فقدان الثقة ويطرح تحديات بيئية مرتبطة بتضخم القوارير البلاستيكية التي تستهلك وتُرمى يومياً.
اليوم، تُطرح أسئلة جدية حول مستقبل الأمن المائي في تونس ودور المؤسسات العمومية في استعادة ثقة المواطن في الماء، خاصة أن قطاع المياه المعلبة تحول إلى سوق مربحة تتحكم فيها قوى العرض والطلب، وتستفيد منها شركات ومافيات التوزيع على حساب جيب المواطن وطمأنينته الصحية.
