تونس: مشروع خبز النخالة بين وعود الإصلاح الصحي وتأخر التنفيذ
منذ عام 2023، بذلت الحكومة التونسية مجهودات كبيرة لتغيير عادات استهلاك الخبز عبر إطلاق مبادرة “خبز النخالة”، بدعم من وزارات الصحة والتجارة والفلاحة بالإضافة إلى معهد التغذية وجهات دولية. هذه الحملة جاءت استجابة للأرقام المتزايدة لأمراض القلب والسمنة والسكري في تونس، حيث اعتبر تضمين النخالة خطوة مهمة لتحسين الصحة العامة والحد من الأمراض المزمنة، باعتبار أن النخالة غنية بالألياف ومفيدة لصحة الجهاز الهضمي.
مع ذلك، ورغم التغطية الإعلامية الواسعة والزخم الرسمي، بقي المشروع بعيدًا عن التنفيذ الفعلي في أغلب المخابز، ليستمر الخبز الأبيض المكرر في السيطرة على السوق اليومي للمواطن التونسي. وواجه المشروع عدة عراقيل أبرزها تأخر صدور القرارات التنظيمية، وصعوبات توفير المادة الخام، إضافة إلى مقاومة من بعض المخابز والمستهلكين الذين اعتادوا الطعم التقليدي للخبز الأبيض.
خلال عام 2026، أصدرت السلطات قرارًا رسميًا بتعديل منظومة إنتاج الدقيق بإدماج النخالة في تركيبة الخبز المدعّم، في محاولة لتحويل هذا الخيار الصحي إلى واقع يومي. ورغم الخطوة الجديدة، لا تزال كثير من التونسيين تعتبر الأمر مجرد إجراء تقشفي يهدف بالأساس إلى خفض التكاليف ودعم ميزانية الدولة، وليس بالضرورة قرارًا منصبًا حصريًا على الصحة العامة، خاصة مع تفاقم أزمة القمح والمواد الأساسية خلال السنوات الأخيرة.
أثارت هذه التحولات نقاشات في الأوساط الصحية والمهنية، حيث يرى متخصصون في التغذية أن إدماج النخالة خطوة إيجابية للحد من الاستهلاك المفرط للطحين الأبيض وتحسين المؤشرات الصحية مستقبلاً. من جانب آخر، يشتكي عدد من المخابز من محدودية التكوين وقلة توفر المعدات الملائمة لإنتاج خبز متجانس من النخالة، بالإضافة إلى غياب حملات توعية فعالة لتغيير ذوق المستهلك التونسي وتشجيعه على تقبل المنتج الجديد.
في مجمل الأمر، يمثل إصلاح منظومة الخبز عبر دمج النخالة تجربة تونسية فريدة تتراوح بين الشعارات الصحية والحسابات الاقتصادية، ويبدو أن تحويلها إلى نجاح فعلي يتوقف على جدية المتابعة وفعالية التنفيذ وتغيير الذهنية الغذائية لدى المواطن. ورغم التحديات، تبقى آمال الأطباء والمسؤولين قائمة في أن يحظى خبز النخالة بمكان ثابت على مائدة التونسيين قريبًا.
