نزيف الأطباء في تونس: مستقبل المنظومة الصحية في مهب الريح
تشهد تونس في السنوات الأخيرة موجة غير مسبوقة من هجرة الكفاءات الطبية، ما بات يشكّل خطراً جدياً على مستقبل المنظومة الصحية الوطنية. وأكدت دراسة حديثة للمنظمة التونسية للأطباء الشبان أن حوالي 1600 طبيب من أصل 1900 خريج من دفعة عام 2024 اختاروا مغادرة البلاد بحثاً عن فرص عمل أفضل في الخارج. تمثل هذه الأرقام أكثر من 84 بالمئة من مجموع الخريجين الجدد، وهو ما يعد من أعلى نسب هجرة الأطباء المسجلة في تاريخ البلاد.
يمثل هذا النزيف للموارد البشرية تحدياً كبيراً للقطاع الصحي في تونس. حيث يخلق نقصاً حاداً، وخاصة في الاختصاصات الطبية والقطاعات الحيوية، ويزيد الضغط على المستشفيات والعيادات التي تعاني أصلاً من نقص الإمكانيات والتجهيزات. وتنعكس هذه الأوضاع بشكل سلبي على جودة الخدمات الصحية المقدّمة للمواطنين، خاصة في المناطق الداخلية والجهات الأقل حظاً من التنمية.
ويعود سبب تزايد رغبة الأطباء الشبان في الهجرة إلى عدة عوامل، من بينها ضعف الرواتب، ورداءة ظروف العمل، إضافة إلى غياب الأفق المهني وغياب آليات واضحة لتطوير الكفاءات. كما يشعر العديد من الأطباء بعدم تقدير جهودهم وعدم توفر بيئة عمل تضمن الأمان الوظيفي وفرص الترقية.
أمام هذا الواقع المتأزم، دقّت الهياكل المهنية ومكونات المجتمع المدني ناقوس الخطر، محذرين من أن تواصل هجرة الأطباء بهذا النسق سيفاقم من أزمة القطاع الصحي ويعرض صحة التونسيين للخطر، خاصة مع ارتفاع أعداد الأطباء المقبلين على التقاعد وضعف عدد الوافدين الجدد على سوق العمل المحلي.
ودعا مختصون إلى ضرورة مراجعة سياسات الصحة العمومية والبحث عن حلول مستدامة لوقف نزيف الأطباء، مثل تحسين ظروف العمل، ومراجعة سلم الأجور، وتوفير تحفيزات لاستبقاء الكفاءات داخل تونس، حتى يظل القطاع الصحي قادراً على تلبية حاجيات المواطنين وضمان استمرارية خدماته الحيوية.
في ظل هذه التحديات، بات النهوض بالمنظومة الصحية وتثمين الكفاءات الطبية من أولويات المرحلة القادمة لتفادي الأسوأ وصون حق التونسي في الصحة والعلاج.
