تونس: من نقد بيرم التونسي في الثلاثينات إلى مقترح تغريم الشتائم في البرلمان اليوم
في خطوة أثارت جدلاً في الأوساط التونسية، بدأ البرلمان التونسي مؤخراً مناقشة مشروع قانون يفرض غرامات مالية قد تصل إلى ألفي دينار على التلفظ بالكلام البذيء والشتائم في الأماكن العامة. هذه الفكرة، التي تبدو للبعض حديثة في مجتمعاتنا، تحمل في طيّاتها جذوراً تاريخية تعود إلى ما يقارب القرن من الزمن، حين تطرّق لها الصحفي والأديب الشهير محمود بيرم التونسي في مقال نُشر سنة 1934 بعنوان «تونس مدينة الشتائم».
بيرم التونسي، الذي اشتهر بجرأته وكتاباته الساخرة، رصد في مقاله استشراء ظاهرة الشتم في شوارع العاصمة التونسية، متسائلاً عن الأسباب الكامنة وراء هذا السلوك الاجتماعي آنذاك. رأى بيرم أن الشتائم في تونس تجاوزت الحد المقبول وأصبحت بمثابة طابع يومي يلوّن الحوار بين أفراد المجتمع، معتبراً أن بعض العبارات لم تعد تستفز أحداً لشدة شيوع استعمالها.
توسّع بيرم، من خلال مقاله، في توصيف بعض المشاهد من واقع الشارع التونسي، موثقاً بأسلوبه الخاص كيفية تداول الشتائم البسيطة وحتى الكلمات النابية بين الكبار والصغار، ومظهراً مدى التسامح الاجتماعي مع هذه الظاهرة. ولم يخفِ الكاتب خشيته من تطبيع هذه اللغة مع الأجيال القادمة.
واليوم، بعد مرور أكثر من تسعين عاماً، نجد المجتمع التونسي يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن مواجهة مظاهر العنف اللفظي وصون الفضاء العام من الكلمات الجارحة؟ ويأتي المقترح البرلماني الجديد ليعيد فكرة بيرم القديمة إلى طاولة البحث، ولكن هذه المرة من الباب القانوني، عبر فرض غرامات مالية موجعة قد تصل إلى 2000 دينار على من يثبت تورطه في السباب أو التلفظ بالكلام الفاحش في الأماكن العامة.
الآراء حول المشروع الحالي تتراوح بين المؤيدين الذين يرون فيه خطوة للحد من التدهور الأخلاقي وضمان احترام الآخر، والمعارضين الذين يعتبرونه مسا بحرية التعبير واحتمال استخدامه كأداة للتضييق على أفراد المجتمع.
يبقى السؤال مطروحاً: هل تنجح تونس أخيراً في التقليل من تفشي الشتائم في الفضاء العام؟ أم أن عادات المجتمع أعمق من أن تُغيّرها القوانين وحدها؟ واقع الأمر يشير إلى أن قضية الشتائم في تونس ليست مشكلة لحظية أو وليدة الساعة، بل مسألة متجذّرة في الذاكرة الجماعية ومعروفة حتى لدى رموز الأدب والفكر منذ عشرات السنين.
ما بين الماضي الذي وثّقه بيرم التونسي وحاضر البرلمان اليوم، تظل معركة صيانة الخطاب العام مؤشراً مهماً على تطور المجتمع التونسي وقدرته على تكييف تقاليده مع متطلبات الحداثة واحترام الذوق العام.
