تغير خارطة النفوذ: تحركات الصين في ليبيا والمغرب ومواقف تونس من التطورات الإقليمية
اتخذت العودة الصينية إلى ليبيا خلال الأشهر الأخيرة بُعداً استراتيجياً تحول فيها الانخراط الصيني من مجرد إجراءات دبلوماسية إلى خطوة محورية لإعادة تشكيل القوى الفاعلة على ضفاف المتوسط.
فمع استئناف عمل السفارة الصينية في طرابلس، اتضح أن هذه الخطوة لم تكن صدفة عابرة، بل جزء من سياسة بكين المدروسة لتوسيع حضورها في شمال إفريقيا، خصوصاً في ظل التنافسات العالمية على الممرات التجارية ومصادر الطاقة الحيوية في المنطقة. وبرزت ليبيا على رأس أولويات الصين، ليس فقط لثروتها النفطية وإمكانات إعادة إعمارها بعد سنوات من النزاع، بل أيضا لموقعها الجغرافي كبوابة رئيسية لعبور الاستثمارات نحو الجنوب الأوروبي.
ومع بدء الصين ضخ استثماراتها مجدداً في البنية التحتية الليبية ومشاريع إعادة البناء، تشهد المنطقة تفاعلاً واسعاً بين مختلف القوى؛ من الولايات المتحدة إلى أوروبا وروسيا. الكل يسعى ليأخذ موضعاً له في لوحة النفوذ الجديدة التي بدأت تتشكل مع عودة الاستقرار التدريجي لدول شمال إفريقيا.
إلى جانب ليبيا، توسع الصين كذلك حضورها الاقتصادي في المغرب عبر الشراكات الاستراتيجية ومشروعات البنية التحتية، ما يشير إلى أن المنافسة لم تعد قاصرة على دولة أو ممر واحد. لقد انتقلت الصين بسرعة لتعزيز العلاقات التجارية مع المغرب وتونس أيضاً، في محاولة واضحة لتعزيز رؤيتها للحزام والطريق في المنطقة.
أما تونس فتجد نفسها اليوم أمام مفترق طرق حاسم: هل تنجح في استثمار التقارب الصيني-الإفريقي وتتحول إلى معبر أساسي للاستثمارات، أم تبقى في موقع المتابع فقط في هذا السباق المحموم؟ ما زال موقف تونس متردداً نسبياً، إذ تراقب المشهد عن كثب دون تبنٍّ واضح لتحالف اقتصادي كبير مع بكين، على خلاف المغرب وليبيا.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن خريطة النفوذ في البحر المتوسط تشهد تحولات متسارعة. فعلى تونس أن تحدد موقعها بوضوح من هذا السباق، حتى لا تفوّت فرصاً سياسية واقتصادية قد لا تتكرر مع تغير موازين القوى الإقليمية والدولية.
