تونس: الموقع الاستراتيجي الغائب عن رادار واشنطن في مواجهة التمدد الصيني والروسي

تناولت الخبيرة في الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية أريان غِرسي الدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه تونس في سياق التوازنات الدولية الحالية، خصوصًا مع تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى. ترى غِرسي أن تونس، رغم محدودية إمكانياتها مقارنة بدول الجوار الكبرى، تملك نقاط قوة جغرافية وسياسية تجعل منها عنصرًا لا يستهان به في معادلة الأمن في منطقة البحر المتوسط وشمال إفريقيا.

وتشير غِرسي إلى أن موقع تونس الجغرافي الاستثنائي على ضفاف المتوسط يمنحها أهمية استراتيجية لا تقتصر فقط على ضبط مسارات الهجرة والطاقة، بل تشمل أيضًا بناء شراكات اقتصادية وعسكرية حيوية مع الغرب أو مع القوى الشرقية كالصين وروسيا. هذا الموضع الفريد يسمح لتونس بأن تصبح نقطة وصل جيوسياسي بين أوروبا وإفريقيا، وهو ما يؤهلها للعب دور الوسيط والتوازن في مواجهة التحولات العالمية المتسارعة.

وتحذر غِرسي من خطأ الاستهانة بمكانة تونس، معتبرة أن السياسات الأمريكية والغربية التي تتجاهل الإمكانيات التونسية قد توفر فرصة سانحة لبكين وموسكو لتعزيز نفوذهما في شمال إفريقيا. وتشير إلى أن تقارب تونس المتنامي مع دول الشرق، وسعيها للانضمام إلى تحالفات اقتصادية جديدة مثل البريكس، يعكس جهودًا لإيجاد تنويع في الشراكات الإستراتيجية بعيدًا عن الاعتماد الحصري على الحلفاء التقليديين.

في هذا السياق، يدور جدل داخلي تونسي حول الخيارات التي تخدم المصالح الوطنية، إذ يرى البعض أن الانفتاح على الصين وروسيا أربك الحسابات الغربية وأعاد التذكير بأهمية تونس كدولة وازنة في الإقليم. وتخلص غِرسي إلى أن المرحلة القادمة ستكون حاسمة للسياسة التونسية الخارجية، داعية واشنطن وحلفاءها إلى إعادة تقييم دور تونس وأهمية استقطابها في سياستهم الإقليمية لمنع توسع النفوذ الآسيوي في قلب المتوسط.

في الختام، تؤكد الخبيرة أن تونس ليست مجرد دولة صغيرة تقع في مفترق طرق، بل فاعل قادر على إحداث تأثير حقيقي في معادلات التنافس الدولي، وأن مصير الاستقرار في ضفتي المتوسط سيعتمد، إلى حد كبير، على الخيارات التي ستتخذها قوى الغرب في التعامل مع هذا البلد العربي ذي الموقع الاستراتيجي الحساس.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *