واشنطن تعيد توزيع التمويل العسكري وتونس تعزز دورها كمحور إقليمي للأمن
تشهد الشراكة الدفاعية بين تونس والولايات المتحدة الأمريكية تحولات واضحة في الأشهر الأخيرة، إذ أدت التغيرات الجيوسياسية والظروف الداخلية في البلدين إلى إعادة صياغة أولويات الدعم العسكري الأمريكي لتونس. ففي سبتمبر الجاري، قامت الولايات المتحدة بإعادة تخصيص 52 مليون دولار من التمويل العسكري الخارجي الذي كان موجها لتونس وعدد من الدول الأخرى، وتحويل هذا الدعم نحو دول في أمريكا اللاتينية. ورغم هذا التقليص المالي، يلاحظ في المقابل تصاعد ملحوظ في مستوى التعاون العملياتي والتقني بين الجانبين.
منذ ستينيات القرن الماضي، ظلّت العلاقات الدفاعية بين تونس وواشنطن ثابتة، مع حصول تونس على صفة “حليف رئيسي من خارج الناتو” في عام 2015، ما عزز فرصها للاستفادة من برامج التسليح والتدريب الأمريكية. ومع أن الإدارة الأمريكية قلصت المساعدات المالية الإجمالية المقدمة لتونس في السنتين الأخيرتين ضمن برنامج “التمويل العسكري الأجنبي”، فإن ذلك لم يؤثر بصورة مباشرة على صفقات التسليح ولا على برامج التدريب والمناورات المشتركة التي باتت اليوم في أوجها.
ويرى مراقبون أن التطورات الأخيرة ليست مجرد إعادة توجيه للتمويل، بل تعبير عن مرحلة جديدة في الشراكة العسكرية، حيث تتركز الجهود حاليا على رفع جاهزية القوات التونسية عبر تعزيز التدريب، وتكثيف التمارين المشتركة، وتقديم المعدات التكنولوجية المتقدمة مثل العربات المدرعة والطائرات، فضلا عن دعم مشاريع البنية التحتية الدفاعية. كما وضعت تونس والولايات المتحدة خارطة طريق للتعاون حتى عام 2030 تتضمن بناء قدرات الجيش التونسي في مواجهة التهديدات غير التقليدية مثل الجريمة المنظمة، الإرهاب، والهجرة غير النظامية.
ويجمع مسؤولون من كلا البلدين على أهمية العمق الاستراتيجي لهذه العلاقة، معتبرين أن تونس باتت تشكل منصة إقليمية أساسية في مجال التدريب وتأمين الاستقرار بالمنطقة، خصوصا مع تزايد التحديات الأمنية على الساحة المغاربية والمتوسطية. ويترجم هذا عبر توالي زيارات كبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين وتسليم دفعات من المعدات الحديثة.
محللون يؤكدون أن تقليص التمويل المالي لا يعني تراجع واشنطن عن التزامها بشراكتها الدفاعية مع تونس، بل هو تكيف مع أولويات أميركية دولية أخرى دون المساس بالركائز الأساسية للعلاقة بين البلدين. في المقابل، تواصل تونس العمل على تنويع مصادر دعمها الدفاعي وتعزيز جاهزية جيشها، مستفيدة من التكوين والخبرة الأمريكية التي عززت موقعها كفاعل رئيسي للأمن والاستقرار على المستوى الإقليمي.
